فصل: مسألة الرجل يصيب العدو امرأته ثم يدخل الرجل إلى أرض العدو للمفاداة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة اشترى جارية من الخمس فوجد معها مالا:

ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق:
وسئل ابن القاسم عمن اشترى جارية من الخمس، فوجد معها مالا ما يصنع به؟ ولم يستثنه بمثل الاشتراء، قال ابن القاسم: إذا كانت دنانير أو دراهم أو أمرا لا يشبه أن يكون من هيئتها ولباسها فإنه لجماعة الجيش، وذلك أن الليث بن سعيد حدثني عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن عبد الله عن عمر عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أنه قال: «من باع عبدا فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع».
قال محمد بن رشد: ظاهر دليل هذه الرواية إن ما كان من هيئتها ولباسها، فإنه للمبتاع، وإن كان كثيرا خلاف ما مضى في رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب من كتاب الجهاد.
والذي في رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب من كتاب الجهاد هو الصحيح إذ لا يصح أن يكون للمبتاع من هيئتها ولباسها إذا كان كثيرا إلا إذا كان ذلك عليها عند البيع وعلم بذلك البائع على ما قد بيناه في سماع أشهب.
قال ابن دحون: فلو أراد رد ما معها من مال ليس من هيئتها ولباسها، فوجد الجيش قد تفرق أخذه لنفسه، وقيل: يتصدق به، وقد مضى القول على هذا المعنى في مسألة الصليب من سماع أشهب.

.مسألة يدخل أرض العدو ويشتري امرأته جاهلا بها أو عالما أنها امرأته:

ومن كتاب أوله: إن أسلم وله بنون صغار:
وسئل ابن القاسم: عن الرجل يدخل أرض العدو، ويشتري امرأته جاهلا بها أو عالما أنها امرأته؟ قال إذا اشتراها وهو لا يعلم أنها امرأته كان ما اشتراها به دينا عليها يتبعها به، فإن كان اشتراها وهو يعلم أنها امرأته، فلا شيء عليها؛ لأنه كان يخلصها لنفسه.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يفدي امرأته من أرض العدو، وهو يعلم أنها امرأته: إنه لا يتبعها بما فداها به هو على معنى ما في المدونة في المكاتب يؤدي كتابته ومعه امرأته إنه لا يرجع عليها بشيء، قال ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن مالك وعن مطرف وابن الماجشون وابن القاسم إلا أن يكون فداها بأمرها، وطلبها فإنه يرجع عليها، قال فضل: معناه أن تقول له افدني، وأعطيك الفداء، فيكون من جنس السلف، وظاهر قول ابن حبيب: أنه يرجع عليها بما فداها به إذا فداها بأمرها، وإن لم تقل له افدني وأنا أعطيك الفداء خلاف ما ذهب إليه فضل، وكذلك إذا فدى من بلاد الحرب من يعتد عليه، وهو عالم لا يرجع علميه بما فداه به على معنى ما في المدونة إذا كان معه في الكتابة، فأداها أنه لا يرجع عليه بشيء، وهو قول ابن حبيب في الواضحة أيضا إلا أن يفديه بأمره، فيرجع عليه، واختلف إذا فداه وهو لا يعلم أنه ممن يعتق عليه، فقال ابن حبيب: إنه لا يرجع عليه بخلاف الزوجة، وقال سحنون: إنه يرجع عليه كالزوجة، وأما ذوو المحارم الذين لا يعتقون عليه، فجعل ابن حبيب في الواضحة سبيلهم كسبيل الزوجين لا يرجع من فدى منهم صاحبه من بلد الحرب، وهو عالم به عليه بما فداه به إلا أن يأمره بذلك، وعلى معنى ما في المدونة في الذي يؤدي كتابته، ومعه فيها من ذوي محارمه من لا يعتق عليه أنه يرجع عليه إذا فداه من بلد الحرب علم به، أو لم يعلم أمره، أو لم يأمره كما لأجنبيين، وأما ذوو الرحم الذين ليسوا من ذوي المحارم، فلا اختلاف أعلمه في أنهم كالأجنبي، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة على المذهب، وقد مضى في أول سماع أشهب من كتاب الجهاد ما في خارجه من الخلاف في ذلك.

.مسألة النفر من العدو ينزلون بأمان فإذا فرغوا سرقوا عبيد المسلمين أو بعض الأحرار:

ومن كتاب أوله يدبر ماله:
وسئل ابن القاسم عن النفر من العدو ينزلون بأمان، فإذا فرغوا سرقوا عبيد المسلمين أو بعض الأحرار، واحتملوهم فذهبوا بهم، ثم رجعوا وهم معهم، فنزلوا على أمان، ولم يعرفوا فأرادوا أن يبيعوهم، قال: لا يتركوا وذلك، وأرى أن ينزعوا منهم، ولا يتركوا أن يبيعوا الأحرار، ويطؤا المسلمات، فكلم في ذلك، وقيل: إنهم قد صاروا حربا حين رجعوا إلى بلادهم، وقد حازوهم، واستأمنوا فنزلوا على أمان، فهو بمنزلة ما حازوا من أموال المسلمين، ثم استأمنوا وهو في أيديهم، فأبى ذلك وقال: ينتزعون منهم ولا يتركون أن يطئوا المسلمات ويبيعوا الأحرار وعبيد المسلمين، وإنما مثل ذلك عندي مثل ما لو نزلوا بأمان فداينوا المسلمين ثم هربوا وخرجوا والدين عليهم، ثم رجعوا ونزلوا بأمان أليس يقضى عليهم بتلك الديون؟ قال: نعم يقضى عليهم وتؤخذ منهم، وكذلك هذا عندي.
رجع ابن القاسم، وقال: لا إلا أن يخرجوا من أيديهم، وأرى أن يوفى لهم؛ لأنهم قد أحرزوهم ولا يتبعوا بما داينوا عليه المسلمين؛ لأن العهد والأمان شديد.
قال محمد بن رشد: ولا ينبغي للإمام أن ينزلهم على قول ابن القاسم الأول على أن لا يؤخذ منهم شيء من ذلك إن سألوا الأمان على ذلك، فإن فعل ولم تكن به قوة على محاربتهم إن ردهم إلى مأمنهم أنفذ الشرط لهم، ولم ينتزع منهم شيئا من ذلك، من أجل ذلك إنهم قد نصوا ذلك نصا قاله ابن القاسم وأشهب في كتاب ابن حبيب.
وهذا نحو ما روي عن ابن القاسم في أهل الحرب يقدمون بأمان للتجارة، فيشترطون ألا يرد عليهم إلا من جنون، أو جذام أو برص أن لهم شرطهم خلاف قول سحنون، وقال ابن الماجشون: لا ينفذ لهم الشرط، ويخيرهم الإمام على كل حال بين أن يؤخذ ذلك منهم، أو يردهم إلى حالهم من الحرب، وروى ابن وهب أن الشرط باطل، فيأخذ الإمام ذلك منهم كله ولا يخيرهم بين أن يطوعوا بذلك أو يردهم إلى حالهم من الحرب، ولم يقل ابن القاسم هل للإمام في القول الثاني إذا اطلع على ما في أيديهم من هذه الأشياء أن يخيرهم بين أن يردوها طوعا أو يردهم إلى حالهم من الحرب كما قال في آخر رسم الكبش من سماع يحيى في أهل الذمة، وينبغي أن يكون ذلك له قياسا عليها، وإن كان ذلك في أهل الذمة أبين لما قد ذكرناه فيها من المعنى، وبالله التوفيق.

.مسألة الاشتراء من أرض الكنيسة تكون عرصة الكنيسة أو حائطا:

ومن كتاب النسمة:
وسئل مالك عن الاشتراء من أرض الكنيسة تكون عرصة الكنيسة أو حائطا، فباع ذلك أسقف أهل تلك البلدة وهو الناظر لها والقائم عليها، فهل ترى للرجل أن يتعمد الاشتراء منها؟ فقال: لا إن كانت تلك القرية أخذت عنوة بغير صلح، فلا ينبغي للأسقف أن يبيع منها شيئا، ولا يشتري أحد منه؛ لأنها فيء الله على المسلمين، وإن كانت مما افتتح بصلح، فلا أرى بأسا إذا كانوا يودون ما عليهم من الصلح أن يبيعوا ما شاءوا.
قال محمد بن رشد: أجاز ابن القاسم في هذه الرواية للرجل أن يشتري من أسقف البلدة الناظر فيها والقائم عليها ما باع من عراص الكنائس والحوائط المحبسة عليها إذا كانت الأرض أرض صلح، ومنع من ذلك في رواية أصبغ بعد هذا، فوجه إجازته لذلك في هذه الرواية أنهم أهل ذمة أقروا في بلادهم وأخذت منهم الجزية على أن يخلى بينهم، وبين إقامة شرائعهم وفعل ما يستبيحون فعله في أديانهم، فإذا قالوا: إن من ديننا جواز بيع عراص الكنائس والحوائط المحبسة عليها جاز ابتياع ذلك منهم كما يجوز ابتياع أرض من مات، وماله ممن قالوا: إن هذا هو وارثه في ديننا، وإن كان غير وارث عندنا، وسنتكلم في رواية أصبغ على وجه منعه من ذلك إذا مررنا بذلك إن شاء الله، وأما أرض العنوة، فلا يجوز لهم أن يبيعوا منها شيئا؛ لأن جميعها فيء الله على المسلمين: الكنائس وغيرها، وقد اختلف إذا تركوا فيها لعمارتها، فقيل: إنها تهدم، وقيل: إنها لا تهدم، ويباح لهم عمارتها على أنها ملك للمسلمين لا لهم، وبالله التوفيق.

.مسألة الأسير من العدو يصير لرجل من المسلمين فيفدي نفسه من سيده بوصيفة:

ومن كتاب الجواب:
وسألته عن الأسير من العدو يصير لرجل من المسلمين، فيفدي نفسه من سيده بوصيفة يدفعها إليه، فتستحق حرة يستحقها رجل أنها ابنته أصابها العدو، وقد لحق الأسير بأرضه أو لم يلحق، قال ابن القاسم: الجارية حرة ثم لا يتبع بشيء قليل ولا كثير؛ لأن الأسير وماله للمسلمين، فإن كان في ماله أحرار أو حرة وقد كان أحرزهما في أرضه خلي سبيلهما، ولم يكن عليهما شيء، وكانا كما غنم المسلمون من ذلك مما كان العدو قد سبوه وأحرزوه، فهذه الجارية في مسألتك حرة على كل حال متى ما علم بذلك لا يتبع بشيء لا بثمن ولا بقيمة، ويرجع السيد على العلج بقيمة الجارية، بمنزلة عبد اشترى نفسه من سيده بجارية، أو مكاتب قاطع سيده بجارية فاستحقت فسيده يرجع عليه بقيمتها قيمة الجارية، فكذلك الأسير، وليس الأسير الذي يسبى فيما كان من الأحرار بمنزلة الذي يدخل بأمان، فإذا دخل بأمان وهم معه فهم له مال من ماله لا يعرض لهم فيه ولا يحال بينه وبين بيع ولا وطء، فإن اشتراهم أحد فهم أحرار لا يسترقون، ويتبعهم المشتري بالأثمان بمنزلة ما اشترى منهم بدار الحرب ويخرج بهم سواء.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة أن الأسير الذي صار لرجل من المسلمين فدى نفسه من سيده بوصيفة له ببلد الحرب على أن يستخرجها ويدفعها إليه، فتستحق حرة إذا استخرجها ودفعها إليه، ولهذا قال: إن السيد يرجع عليه بقيمتها كالعبد يشتري نفسه من سيده بجارية يريد موصوفة، فتستحق أن السيد يرجع عليه بقيمتها، والوجه في ذلك أنها لم تكن عنده يوم افتدى بها نفسه حكم لها بحكم الموصوفة، ولو كانت عنده يوم فدى بها نفسه بأن تكون كانت سبيت معه، فلم تنزع منه حتى بيعت معه من هذا الرجل، فأخذها منه وسرحها لم يكن له عليه رجوع بقيمتها على مذهبه في المدونة فيمن أعتق عبده على جارية بيده فاستحقت بحرية منه أو ملك أنه لا رجوع له عليه بقيمتها؛ لأنه كأنه إنما انتزعها منه وأعتقه، وقوله: إن الجارية حرة بكون الأسير ملكا للمسلمين بالسباء إذا كان قد أحرزها في بلاد الحرب خلاف قول ربيعة في المدونة في الذي اشترى عبدا من الفيء، فدل سيده على ماله في أرض العدو أن ذلك المال مال حرب ليس للسيد، ولا للعبد فيه شيء ولا للجيش، إذا كان إنما دله عليه في جيش آخر، وخلاف مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في الذي أسلم في بلاد الحرب، وخرج مسلما وخلف أهله وماله وولده في بلد الحرب، فغزا المسلمون تلك الدار، فأصابوا أهله وماله وولده في بلد الحرب أنهم فيء لذلك الجيش، مثل قول بعض الرواة في كتاب النكاح: إن ملكه لا يسقط عن ماله فهو أحق به إن أدركه قبل القسم بغير الثمن وبعده بالثمن، وأما قوله في الذي يدخل بأمان، وبيده أسرى للمسلمين: إنه لا يعرض لهم فيه ولا يحال بينه وبينهم في بيع ولا وطء، فهو معلوم من مذهب ابن القاسم، وقد تقدم ذلك والقول فيه في سماع سحنون من الجهاد وفي غير ما موضع.

.مسألة باع من حربي في عهدة سلعة بدينار أو أسلفه دينارا فسبي الحربي:

ومن كتاب العتق:
وقال ابن القاسم في رجل باع من حربي في عهدة سلعة بدينار أو أسلفه دينارا، فسبي الحربي وأخذ له مال هل يكون المسلف أو البائع أحق بماله من الجيش، وإن كان الحربي قد استودع مسلما وديعة أو كانت له عليه دنانير من سلف أو بيع، قال: أما ما كان له من مال عند مسلم من وديعة أو بيع أو سلف أو غير ذلك، فحيثما وجد له مال فهو فيء لجميع المسلمين، فإن كان عليه دين، فغرماؤه أحق به إذا كان على ما ذكرت مما كان له في الإسلام من وديعة، أو دين وكل ما لم يوجب عليه بخيل، ولا ركاب، فأما ما أوجف عليه بالخيل والركاب، فالمسلمون أحق به من غرمائه وهو لهم.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في سماع أصبغ بعد هذا سواء والفرق بين ما كان له في بلد الإسلام، وبين ما غنم من ماله في بلاد الحرب أن من عامله أو أسلفه إنما عامله أو أسلفه على ما خرج به إلى بلد الإسلام لا على ماله في بلاد الحرب لامتناعه فيه، فلم يتعين له فيه حق، وقد وجب ذلك لمن غنمه لقوله عز وجل: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41] الآية ولا يعارض هذا ما في آخر كتاب التفليس من المدونة في المرتد يهرب بماله إلى بلد الحرب، فقاتل مع المشركين، فغنم المسلمون ماله أنه يبدأ فيه بما عليه من الديون، ويكون الباقي فيها للجيش؛ لأن الغرماء إنما عاملوه على ماله الذي هرب به، وقد كان وجب لغرمائه من الحق أن يبدءوا بحقوقهم فيه، فليس هروبه بالذي يسقط حقهم فيه، ولو هرب إلى بلاد الحرب بغير مال، فاكتسب فيه مالا وغنم المسلمون لما وجب لغرمائه فيه حق على هذا التعليل، ولو أن الحربي على قياس هذا لما استأمن عامل الناس، فاستسلفهم واشترى منهم بالديون، ثم هرب بماله إلى بلد الحرب فغنمه المسلمون، وعلم أنه المال بعينه الذي هرب به وعامله عليه المسلمون لوجب أن يبدءوا فيه بديونهم، ويكون الباقي فيئا لجميع المسلمين على حكم مال المرتد إذ ليس بملك معين على أصلهم فيما وجد في الغنيمة من أموال المسلمين أنه يقسم، وإن علم أنه للمسلمين إذا لم يعلم صاحبه بعينه وبالله التوفيق.

.مسألة علجين من أهل الحرب خرجا إلى دار الإسلام برقيق لهما فأسلم أحدهما:

ومن سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن علجين من أهل الحرب خرجا إلى دار الإسلام برقيق لهما ومنها ما من بلادهما، فلما خرجا إلى دار الإسلام أسلم أحدهما فقال: لو أقاما على النصرانية جميعا أو أسلما جميعا قسمت بينهما كل ما كان في أيديهما مما تداعيا فيه إلا أن يعرف ذلك في يد أحدهما دون صاحبه، فأما إذا أسلم أحدهما، فأمر المقيم على دينه إلى الإمام، والإمام فيما كان في أيديهما على مثل دعوى النصراني.
وإن أقر النصراني أنه لا حق له في الرقيق والمتاع، وقد كان يعرف جميع ذلك في أيديهما لم ينتفع المسلم بذلك الإقرار؛ لأنه بمنزلة العبد، ولكن للإمام أن يقاسم المسلم إذا لم يعرف لواحد منهما دون صاحبه، قيل له: فإن أنكر أولئك الرقيق أن يكونوا لهما أو في أيديهما أو ادعوا الحرية.؟ قال: فهم أجمعون بمنزلة واحدة لا يرق أحد منهم لصاحبه إلا أن يقوم لأحدهم بينة أن هؤلاء الرقيق أو بعضهم معروفون في يديه يستحقهم بذلك، قال ابن القاسم: ومن أسلم منهم فماله له، ولا سبيل عليه، ومن أقام على دينه وخرج بغير عهد فأمره إلى السلطان أن يضرب عليه الجزية أو يصنع في أمره أحسن ما يراه نظرا للعامة.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة والذي تكلم عليه فيها أن العلجين خرجا برقيق لهما بغير عهد ولا أمان، ولو خرجا بأمان وعهد لم يكن للإمام في رقيقهما كلام أسلما، أو لم يسلما، أو أسلم أحدهما؛ لأنها أموالهما لا يصح انتزاعها منهما أسلما أو لم يسلما فيقسمانها بينهما على كل حال، وإذا كانا قد خرجا بغير عهد ولا أمان، فأمرهما إلى السلطان؛ لأنهما وما في أيديهما من الرقيق فيء لأهل الإسلام أسلما أو لم يسلما؛ لأن من خرج بغير عهد، فأخذه الإمام فالنظر فيه إليه بما ينظر فيه في الأسرى إن رأى أن يقتله قتله، وإن رأى أن يسترقه استرقه، فإن أسلم حرم قتله، وبقي رقيقا للمسلمين، فقوله في هذه الرواية إن أسلما جميعا قسمت بينهما كل ما كان في أيديهما، وإن أسلم أحدهما فأمر المقيم على دينه إلى الإمام، ومن أسلم منهم فماله له ولا سبيل عليه معناه إذا كان إسلامهما أو إسلام من أسلم منهما قبل أن يعثر عليه، وبهذا التأويل تستقيم المسألة؛ لأن من أسلم منهما قبل أن يعثر عليه، فهو حر يكون له ماله، ولا سبيل إلى استرقاقه، ومن لم يسلم حتى عثر عليه وأخذ يكون هو وماله فيئا للمسلمين، وإن أسلم بعد ذلك، إلا أن قوله: لو أقاما على النصرانية جميعا قسمت بينهما كل ما كان في أيديهما، فإنه لفظ وقع على غير تحصيل، ويحتمل أن يكون معناه إذا رأى الإمام من النظر أن يعقد لهما الذمة، ويضرب عليهما الجزية ويقر أموالهما بأيديهما، فهذا مما للإمام أن يفعله إن رآه وجه النظر على ما قد مضى في أول رسم من سماع أشهب من كتاب الجهاد.

.مسألة الرجل يصيب العدو امرأته ثم يدخل الرجل إلى أرض العدو للمفاداة:

قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يصيب العدو امرأته، ثم يدخل الرجل إلى أرض العدو للمفاداة أو التجارة، فيجد امرأته فتقول له: افدني وأنا أضع عنك مهري، ففداها ثم خرج بها أيكون مهرها موضوعا عنه؟ فقال: إن كانت قالت له: افدني ولم توقت شيئا للفدية لم يحل ما تعاملا عليه، فداها بمثل الذي كان عليه أو أقل أو أكثر من صنفه، أو من غير صنفه؛ لأنهما تخاطرا إذا لم تنص شيئا معلوما في فديتها تضع المهر به، فالمهر له لازم وغرم ما افتداها به لازم للمرأة تؤديه إلى الرجل، قال: فإن نصت شيئا معلوما يفديها به، فإنه ينظر إلى ما كان عليه من المهر، وإن كانت عليه دنانير، وسألته أن يفديها بدراهم لم يصلح ذلك بقليل الدراهم، ولا كثيرها إلا أن تقبض هي الدراهم على وجه المصارفة والاقتضاء للذي عليه من المهر، فيتصارفان فيه قبل أن يفترقا، ثم تدفع ذلك إليه يفديها به، قال: وكذلك إذا كان المهر دراهم، فسألته أن يفديها بدنانير تنصها؛ لأن الصرف يدخله وهو لا يحل إلا بالمناجزة وذلك إذا كان المهر حالا، قال: وإن كان الذي عليه الدنانير، فأمرته أن يفديها بدنانير على أن تضع المهر عنه، فإن كان المهر حالا فلا بأس أن يفديها بمثل الذي عليه لها من دنانير المهر، وبأقل وبأكثر بعد أن ينص ما يفديها به، فيخرجان من حد المخاطرة والقمار، وذلك إذا نصت ما تفدى به من الدنانير على أن تضع عنه مهرا حالا من دنانير، فإن كان الذي سألت أن تفدى به أقل من مهرها، فقد رضيت أن تقتضي من دين لها حال بعضه وتترك بعضه، وإن كان قدر المهر، فهو الاقتضاء بعينه، وإن نصت أكثر من المهر فرضي الزوج بذلك وهو حال عليه فهو رجل قضاها حقها وتطوع لها بالزيادة في افتدائها، قال: وإن كان المهر دنانير أو دراهم لم تحل بعد لم يصلح له أن يفتديها بأقل من الذي عليه؛ لأنه إن كان بأقل كان من وجه الوضيعة عنه على تعجيل القضاء، وإن كان أكثر، فلا خير فيه؛ لأنه يدخله بيع الذهب بالذهب متفاضلا إلى أجل، وهو مما لا يحل، قال: وإن كان الذي عليه من المهر عروضا، فأسلك بها سبيل الذهب والورق إن أرادت أن يفتديها بمثل تلك العروض في جودتها وجنسها، ولا بأس إذا كانت عليه دنانير أو دراهم أن يفتديها من العروض بما أحب من قليل أو كثير، حل أجل المهر أو لم يحل إذا نصت ما تفتدي به من المهر، وكذلك إذا كان المهر عروضا، فلا بأس أن يفتديها بما أحب من العروض المخالفة التي عليه أو بالدراهم والدنانير بأقل من ذلك أو أكثر حل أجل المهر، أو لم يحل إذا كان في جميع ما وصفت لك تعجيل الفدية ولا يؤخرها، فإن تأخرت فيما أجزت له من اختلاف العروض واختلاف الدنانير والدراهم والعروض لم يصلح؛ لأن الدين بالدين يدخله، وإن كان المهر الذي عليه طعاما لم يصلح أن يفديها شيء من الأشياء غير صنف ذلك الطعام لا بقليل الفدية، ولا بكثيرها؛ لأن بيع الطعام قبل الاستيفاء يدخله، ولا بأس أن يفتديها من الطعام بمثل الذي وجب عليه لها من صنفه في قدر مكيلته حل أجل المهر أو لم يحل، وإن لم يحل الأجل لم يصلح أن يفتديها بأقل من المكيلة من صنف الطعام ولا بأكثر من المكيلة.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: وإن كان المهر دنانير أو دراهم لم تحل بعد ففداها بأكثر مما عليه، فلا خير فيه لأنه يدخله بيع الذهب بالذهب متفاضلا إلى أجل وهو مما لا يحل، ليس بصحيح؛ لأنه عجل لها حقها وزادها فلا يدخله شيء؛ لأن له أن يعجل العين بخلاف العرض، ولو كان المهر الذي عليه عرضا لم يجز أن يفتديها بأكثر منه ولا بأقل؛ لأنه في الأكثر حط عني الضمان وأزيدك، وفي الأقل ضع وتعجل، وفي قوله آخر المسألة: ولا بأس أن يفتديها من الطعام بمثل الذي وجب عليه لها من صنفه في قدر مكيلته حل أجل المهر، أو لم يحل نظر؛ لأن من أسلم إلى رجل في طعام فلا يجوز له أن يأخذ منه في غير البلد قبل الأجل مثل طعامه، فلا يصح قوله إلا إذا أعطى الطعام في البلد الذي كان عليه الطعام فيه، وسائر المسألة كلها صحيح على أصولهم في البيوع بينة المعنى فلا وجه للكلام فيها.

.مسألة يهلك من أهل الصلح والعنوة ممن لا يدع وارثا يرثه أيرثه المسلمون:

ومن كتاب الصلاة:
وسئل ابن القاسم: عمن يهلك من أهل الصلح والعنوة ممن لا يدع وارثا يرثه أيرثه المسلمون عامة؟ فقال: أما أهل الصلح، فميراث من لا وارث له منهم من ذوي قرابته لأهل مواده لا يكون من مواريثهم شيء للمسلمين، وذلك أن موته لا يضع عمن بقي من أصحابه شيء مما صالحوا عليه فميراثه لهم وجزيته عليهم، وأما أهل العنوة فإن من مات منهم ولا وارث له من ذوي قرابته فميراثه للمسلمين، قيل له: كيف يعرف إن كان ترك وارثا أو لا وفرائضهم في سنتهم مخالفة لفرائضنا؟ فقال: ترد ذلك إلى أساقفتهم، فإن قالوا: ليس له وارث يرثه في ديننا من ذوي قرابته أخذ ميراثه للمسلمين، وإن قالوا: ترثه خالته أو عمته أو ذات رحم من جميع ماله في ديننا وفرائضنا، وإن تباعدت قرابتها وقرابة من ورثه من أساقفتهم من رجال قرابته أو نسائهم فذلك إليهم يدينونه.
قال محمد بن رشد: قوله في أهل العنوة: إن من مات منهم ولا وارث له من ذوي قرابته، فميراثه للمسلمين هو مثل ما في سماع يحيى أيضا من كتاب الاستلحاق أنهم في موارثيهم وأهل الصلح سواء ومثل ما في الواضحة، وهذا يأتي على رواية عيسى عن ابن القاسم التي تقدمت في هذا الكتاب: أنهم أحرار ولا ينظر إلى شعور نسائهم، وتكون دية من قتل منهم خمسمائة دينار، وعليه يأتي أيضا قول ابن حبيب في الواضحة: أن من أسلم منهم فماله له، ويلزم على قياس ذلك أن يمنعوا من هبة أموالهم والصدقة بها، وأن يحكم عليها بذلك للمسلمين، وهو ظاهر ما في كتاب الهبة والصدقة من المدونة إذ لم يفرق بين أهل العنوة وأهل الصلح كما فعل غير ابن القاسم، ولا يمنعوا من الوصايا بجميع أموالهم إلا إذا لم يكن لهم وارث من أهل دينهم وكان ميراثهم للمسلمين.
ويأتي على رواية سحنون عن ابن القاسم بعد هذا أنهم في حكم العبيد المأذون لهم في التجارة، فيجوز لهم بيع رقيقهم، ولا يجوز لهم أن يهبوا أو يتصدقوا بشيء من أموالهم ولا يكون لهم منها شيء بإسلامهم؛ لأنهم لا يتوارثون، وميراث من مات منهم للمسلمين كان له وارث من قرابته أو لم يكن، وهو ظاهر قول سحنون في سماع عيسى من كتاب السلطان، ولا يحرم النظر إلى شعورهن، ويكون على من قتل أحدا منهم خطأ أو عمدا قيمته بالغا ما بلغت للمسلمين، ولا يجوز للمسلمين تزويج نسائهم، وإن كان لم يحرم ذلك في الرواية مراعاة للاختلاف، فالقياس على أصله في أنهم عبيد أن ذلك لا يجوز؛ لقوله عز وجل: {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] ولا اختلاف في المذهب في أن الأرض للمسلمين لا يجوز لهم بيعها، ولا يكون لهم فيها ميراث، ولا يكون لهم إن أسلموا، وأما أهل الصلح فمذهب ابن القاسم أن أرضهم لهم يبيعونها ويورثونها، وتكون لهم إن أسلموا، كانت عليها جزية أو لم تكن، كانت الجزية على جماجمهم أو مجملة عليهم لا ينقصون منها شيئا بموت من مات منهم، وفرق في توارثهم بين أن تكون الجزية على جماجمهم أو مجملة عليهم فقال: إنها إن كانت على جماجمهم كان ميراث من مات منهم ولا وارث له من أهل دينه للمسلمين، ولم تجز له وصية إلا في ثلث ماله، وإن كانت الجزية مجملة عليهم لا ينقصون منها شيئا بموت من مات منهم كان ميراث من مات منهم ولا وارث له من أهل دينه لأهل مواده، وذهب ابن حبيب إلى عكس قول ابن القاسم في الطرفين، فساوى بين أن تكون الجزية على جماجمهم أو مجملة عليهم فقال: إنها إن كانت على جماجمهم كان ميراث من مات منهم ولا وارث له من أهل دينه للمسلمين، ولم تجز له وصية إلا في ثلث ماله، وإن كانت الجزية مجملة عليهم لا ينقصون منها شيئا بموت من مات منهم كان ميراث من مات منهم ولا وارث له من أهل دينه لأهل مواده، وذهب ابن حبيب إلى عكس قول ابن القاسم في الطرفين، فساوى بين أن تكون الجزية على جماجمهم أو مجملة عليهم في أن من مات منهم ولا وارث له من أهل دينه، فميراثه للمسلمين، وفرق بين أن تكون الجزية على جماجمهم أو مجملة عليهم في حكم أرضهم فقال: إنها إن كانت على جماجمهم كان لها حكم أموالهم يبيعونها وتكون لهم إن أسلموا عليها ويتوارثونها إلا أن لا يكون لهم وارث من أهل دينهم، فيرثه المسلمون، وإن كانت مجملة عليهم كانت موقوفة للخراج لا يكون لهم أن يبيعوها، ولا يكون لمن أسلم منهم أرضه، ولا يكون للمسلمين أرض من مات منهم ولا وارث له من قرابته؛ لأنها موقوفة للخراج على كل حال، وروى ابن نافع عن مالك أنه يجوز لهم بيع أرضهم إلا أن تكون على الأرض جزية، فيأتي في بيع أرضهم ثلاثة أقوال: أحدها: أن لهم أن يبيعوها على كل حال، وهو مذهب ابن القاسم، والثاني: الفرق بين أن تكون الجزية على جماجمهم أو مجملة عليهم، وهو قول ابن حبيب، والثالث: الفرق بين أن تكون على الأرض جزية أو لا يكون عليها جزية، وهو قول مالك في رواية ابن نافع عنه، واختلف ابن القاسم وأشهب إذا باع الصلحي أرضه وعليها جزية، فقال أشهب: يكون الخراج على المبتاع ما لم يسلم البائع أو يموت، وقال ابن القاسم: يبقى الخراج في الأرض على البائع كما كان عليه، ولا يجوز أن يشترطه على المبتاع، فإن اشترطه عليه فسد البيع.

.مسألة الروم يقدمون بالعبيد من فحوص الصقالبة:

ومن كتاب أوله يشتري الدور والمزارع:
قال يحيى: قال ابن القاسم في الروم يقدمون بالعبيد من فحوص الصقالبة: إنه ينبغي للإمام أن يمنعهم من بيع أولئك الرقيق من غير المسلمين، لا يبيعونها من اليهود ولا من النصارى ولا من المجوس لا صغيرا منهم ولا كبيرا، وذلك أنهم يصيرون إلى دين من ملكهم.
قلت له: أرأيت من وجد في يد اليهود والنصارى قد اشتروهم أيردوا على الروم الذين باعوهم منهم؟ قال: بل يباعوا على الذين وجدوا في أيديهم من اليهود والنصارى، قيل له: أرأيت إن وجدوا قد تهودوا أو تنصروا؟ قال: أرى إذا صاروا إلى غير دين الإسلام أن يقروا في أيدي الذين اشتروهم يهودا كانوا أو نصارى أو مجوسا، وذلك أنهم لم يكونوا يجرون على الإسلام لو ملكهم المسلمون، فإن تهودوا أو تنصروا، فلا أرى أن يباعوا على من ملكهم من أهل الكتاب أو المجوس؛ لأنهم إنما يمنعوا من ملك المسلمين، قال: وإذا تقدم إليهم ألا يشتروهم، ثم تعدوا واشتروا ووجدوا في أيديهم قد تنصروا أو تهودوا رأيت أن يعاقب الذين هوّدوهم أو نصّروهم ويُنَكَّلُوا حتى لا يعودوا إلى مثل ذلك.
قال محمد بن رشد-: في المدنية لمالك من رواية ابن القاسم عنه أنهم لا يمنعون من بيعهم منهم، قال ابن القاسم: وإنما رأيت مالكا أجاز للروم بيع الصقالبة من النصارى واليهود بموضع عهدهم الذي نزلوا عليه، فهم يصنعون بما في أيديهم ما أحبوا، ولو أرادوا أن يردوهم إلى بلادهم كان ذلك لهم، ولم يحل لك منعهم، فكما كان يجوز لهم أن يردوهم، فكذلك يجوز لهم أن يبيعوهم ممن أحبوا ابتغاء الفضل لما قدموا به، وهذا وجه ما رأيت مالكا رَحِمَهُ اللَّهُ نحا إليه، فإذا أوجب على الإمام في هذه الرواية أن يمنعهم من بيعهم من غير المسلمين، فكذلك يجب عليه على مذهبه فيها أن يمنعهم من الرجوع بهم إلى بلادهم خلاف رواية سحنون بعد هذا، وإذا أوجب ذلك عليه في المجوس فأحرى أن يجب ذلك عليه فيمن أسلم من رقيقهم، فرواية يحيى هذه مخالفة ما في سماع سحنون وعيسى من هذا الكتاب وخلاف ما في سماع سحنون أيضا من كتاب الجهاد أن لهم أن يرجعوا من أسلم من رقيقهم ولا يحال بينهم وبين ذلك.
وقوله في هذه الرواية: إنهم يباعون على الذين وجدوا في أيديهم من اليهود والنصارى خلاف ما تقدم في رسم الشجرة تطعم بطنين من سماع ابن القاسم، وقد مضى هنالك ما في ذلك من الاختلاف، ولم يفرق في هذه الرواية أيضا بين صغار المجوس وكبارهم مثل ما يأتي في سماع أصبغ بعد هذا خلاف ما مضى في سماع ابن القاسم، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم من كتاب الجنائز في أول سماع أصبغ من كتاب الصلاة، وقد اختلف في المسلم يشتري المجوسي من المستأمن أو من الذمي، فيسلم عنده ثم يجد به عيبا، فقيل ذلك فوت ويرجع بقيمة العيب، قاله ابن الماجشون وأشهب، وقيل: ليس بفوت ويرد عليه، ثم يباع عليه ثانية، قاله ابن القاسم، والقولان جاريان على الرد بالعيب هل هو نقض بيع أو ابتداء بيع، وهو أصل قد اختلف فيه قول ابن القاسم وأشهب.